يحيي بن حمزة العلوي اليمني

77

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

إسنادها إلى مؤثر هو عدم ، وأنه لا أولية لوجوده ، إذ لو كان له أول لاحتاج إلى مؤثر فإما أن يفتقر كل واحد منهما إلى صاحبه ، وهو الدور ، أو يحتاج إلى مؤثر ومؤثره إلى مؤثر ، إلى غير غاية ، وهو التسلسل ، وكلاهما محال في العقل لأمور قررناها في الكتب العقلية ثم قال : فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فليس الغرض ذكر أدنى العدد ، فأقله ساعة واحدة ، ولا الغرض الإشارة إلى أكثر الأعداد فهي بلا نهاية ، وبين هذين وسائط من مراتب الأعداد كثيرة ومن عرف باهر القدرة علم قطعا أن خلق هذه المكونات ممكن في لحظة واحدة ، ولكن الغرض بالتقدير إشارة إلى قوله : سرّ ومصلحة استأثر الله بعلمها ومصداق ما قلناه قوله تعالى : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] . التنبيه الثالث قوله : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ظاهر الآية دال على أن الاستواء إنما كان بعد خلق السماوات والأرض وإكمال أحوالهما ، فأما خلق العرش فليس في ظاهر الآية ما يدل على تعين وقت خلقه فبقى الأمر فيه على الاحتمالين حتى يدل دليل شرعي على ذلك ، والعرش والكرسي من أعظم المخلوقات ، لما خصهما الله تعالى من عظم الخلق ، ولما اشتملا عليه من الأسرار الإلهية ، والحكم المصلحية التي لا يحيط بعلمها إلا الله تعالى . والاستواء فيه وجهان ، أحدهما : أن يكون بمعنى الاستيلاء يقال : فلان الملك قد استوى على ملكه ، أي استولى عليه وأحاط به فلا يشذ عنه منه شيء ، وثانيهما : أن يكون الاستواء على حاله من غير تأويل من قولهم : الأمير استوى على سرير مملكته أي تمكن فيه ، وتحقيقه ، قعد عليه قعود المتمكن المستقر ، لا قعود القلق المنزعج ، وكلاهما حاصل في حق الله تعالى ، فعلى المعنى الأول أن الله استولى على العرش وملكه وأحاط به علما واقتدارا ، وعلى الوجه الثاني يكون على جهة التخييل كقوله تعالى : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [ الفتح : 10 ] وتقرير التخييل ، أن الحالة الحاصلة للملك في الاستقرار والتمكن على تخت مملكته ، وسريره ، هي حاصلة لله تعالى على عرشه ، كما في قوله تعالى : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ [ المائدة : 64 ] كما سنقرره في التخييل ونوضح أمثلته بمعونة الله تعالى . وأتى بثم ، دون الفاء ليدل بها على التراخي ، ولأن نظام الآية معها يكون أسلس وأسهل والسبك بها أتم وأعجب ، وهذا يذوقه من جاد ذوقه وسلم طبعه عن عجرفة الكلام ، وزال عن العنجهانية في القول .